الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

125

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

توصله إلى مرتبة العبودية المحضة . فالفرائض كونها ذات خصوصية محددة بأنها فروض لا يعني أنها تشمل كل واجبات الإنسان التعبدية ، وهذا الأمر يبدو واضحاً تماماً من مشاهدة حياة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم الذي كان مستمراً على إقامة الكثير من العبادات النفلية فضلًا عن العبادات المفروضة ، بل أن نوافله صلى الله تعالى عليه وسلم كانت أكثر بكثير من الفرائض التي كان يواظب على تأديتها ، ومن هذه النوافل السنن التي كان يقيمها حضرة الرسول الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم قبل صلوات الفرض أو بعدها ، والكثير من الأدعية والأذكار وغير ذلك من العبادات النفلية ، بل أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقوم بعبادة ربه حتى تتورم قدماه الشريفتان . إن فروض الشريعة تشكل الحد الأدنى من عبادات الطريقة التي يجب على المريد أن يقيمها ، فهي الفارق بين المريد وغيره ، إلا أنها ولمحدوديتها ليست كافية لتحقيق الهدف الإلهي الذي تتضمنه الآية الكريمة : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 1 » ، لذلك إن إقامة النوافل من العبادات هي الطريق نحو جعل حياة الإنسان بأكملها حياة عبادة خالصة . لقد وصف مشايخ الطريقة سلوك طريق النوافل غير المحدودة من العبادات بما يسمى في مصطلحات الطريقة ب - ( العزم ) موازنة بالوقوف عند أداء الفرائض فقط والذي يعرف ب - ( الرخصة ) . يقول الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس الله سره : « عليكم بحفظ الصوم والصلوات الخمس في أوقاتها ، وحفظ حدود الشرع جميعها ، إذا أديتم الفرض فانتقلوا إلى النفل ، عليكم بالعزيمة والإعراض عن الرخصة » « 2 » . ويقول قدس الله سره : « من لزم الرخصة وترك العزيمة خيف عليه من هلاك دينه ، العزيمة للرجال ، لأنها ركوب الأخطار والأشق والأدق ، الرخصة للصبيان والنسوان ، لأنها الأسهل » « 3 » .

--> ( 1 ) - الذاريات : 56 . ( 2 ) - انظر كتابنا جلاء الخاطر من كلام الشيخ عبد القادر الكيلاني ص 15 . ( 3 ) - المصدر نفسه ص 15 .